نصر حامد أبو زيد
182
الاتجاه العقلي في التفسير
لا يعرف المتكلم ، ولا يعلم أنه ممن لا يتكلم إلّا بحق ، لا يصحّ أن يستدل بكلامه ، لأنه لا يمكن أن يعلم صحة كلامه إلّا بما قدمناه ، لأنه لا يصح أن يعلمه بقوله : أن كلامه حق ، لأنه إذا جوّز في كلامه أن يكون باطلا يجوّز في هذا القول أيضا أن يكون باطلا ، وإذا وجب تقدم ما ذكرناه من المعرفة ليصح أن يعرف أن كلامه تعالى حق ودلالة » 154 . وإذا كان القرآن لا تعرف دلالته إلّا بعد تقدم المعرفة العقلية بتوحيد اللّه وعدله وسائر صفاته ، فإن الحاجة للقرآن وللسمع عموما تصبح تابعة للعقل . ويبدو أن المعتزلة في هذه الحالة يعطون للعقل الأولوية على النص . ولكننا لا ينبغي أن ننسى أن العقل الضروري - العلوم الضرورية - هبة من اللّه للبشر جميعا منحها لهم وعلى أساسه كلفهم بعد أن نصب لهم الأدلة . في هذه الحالة لا يحسّ المعتزلة أي تناقض بين العقل والقرآن لأن كليهما من عند اللّه ، وكلاهما يتفقان بالضرورة . وإنما يأتي خطأ من يستدل بالقرآن من خطئه في الاستدلال العقلي ، أو من اهماله لقضية الاستدلال العقلي اهمالا تاما . وعلى ذلك فالمعتزلة حين يردون الخصم إلى أدلة العقل ، لا يردونه إلى شيء خارج اطار القدرة الإلهية أو النعمة الإلهية . الفارق الوحيد بين أدلّة العقل وأدلّة القرآن ، أن أدلّة العقل لا يدخلها الاشتراك والمجاز والاستعارة ، كما يدخل ذلك في أدلّة القرآن ، التي هي لغة من طبيعتها الاشتراك والمجاز والاستعارة . أمّا الفارق الثاني فهو أن اللغة لا تدل إلّا بعد معرفة قصد القائل ، على العكس من الفعل الذي يدل بمجرده على الفاعل ، وبوقوعه محكما على أن فاعله عالم . والفعل في هذه الحالة يدل دون أن نضع الفاعل في اعتبارنا ، والأمر على عكس ذلك في اللغة التي لا بدّ من اعتبار حال الفاعل وقصده حتى تقع دلالة فإن « كل فعل لا تعلم صحته ولا وجه دلالته إلّا بعد أن يعرف حال فاعله لا يمكن أن يستدل به على اثبات فاعله ولا على صفاته ، وإنما يمكن أن يستدل به على سوى ذلك من الأحكام ، لأنه إن دلّ على حال فاعله ، ولا يعلم صحته إلّا وقد علم فاعله ، أدّى ذلك إلى أن لا يدل عليه إلّا بالمعرفة به ، ومتى علم الشيء استغني عن الدلالة عليه » 155 وهكذا يعود بنا القاضي عبد الجبار إلى الأساس الذي سبق أن ناقشناه ، وهو الأساس الذي يضع اللغة نوعا ثالثا من أنواع الدلالة العقلية . وإذا كانت اللغة نوعا من الاستدلال المؤدي إلى المعرفة ، فمن الطبيعي والحالة هذه ، أن يكون فيها - كأنواع الأدلة عموما - ما هو واضح ، ومنها ما هو غامض . وعلى مستوى القرآن سيكون المحكم هو الدليل الواضح ، وسيكون